الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حول منتدي أسطانا الاقتصادي

حول منتدي أسطانا الاقتصادي
بقلم : أحمد عبده طرابيك

شهد قصر الاستقلال في أسطانا عاصمة كازاخستان علي مدي ثلاثة أيام قعاليات " مؤتمر أسطانا الاقتصادي " السابع ، و " المؤتمر الثاني لمكافحة الأزمة الاقتصادية العالمية " ، وذلك خلال الفترة من 21 إلي 23 مايو 2014 ، بحضور رئيس كازاخستان نور سلطان نزار بايف ، ورئيس وزراء ماليزيا نجيب عبد الرزاق ، الدكتور محمد يونس مؤسس بنك الفقراء في بنجلاديش والحاصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد ، وبمشاركة نحو عشرة آلاف شخص من مائة وعشرون دولة ، يمثلون سياسيين ورؤساء منظمات دولية واقليمية ، وأكاديميين ومديري الشركات وخبراء في الاقتصاد وعلماء ومفكرين وباحثين وإعلاميين ، حيث تم مناقشة أكثر من 70 موضوعا عن التنمية الاقتصادية ومكافحة الأزمة الاقتصادية العالمية .
وقد أفاضت وسائل الاعلام في الحديث عن منتدي أسطانا الاقتصادي السابع ومؤتمر مكافحة الأزمة الثاني ، نظراً لأهميتهما الكبري ليس علي المستوي الاقليمي وحسب ، بل وعلي المستوي الدولي أيضاً ، ولذلك ما أريد الحديث عنه هو ما حول المنتدي ، حيث التقيت خلال مشاركتي في المنتدي السيد / ايرلان إدريسوف . وزير خارجية كازاخستان بمكتبه بمقر وزارة الخارجية الكازاخية ، وقد تحدث الوزير عن العلاقات التاريخية التي تربط بين مصر وكازاخستان ، ودور المماليك ذوي الأصول الكازاخية في التاريخ المصري ، وخاصة القائد المملوكي الكبير الظاهر بيبرس الذي ترك علامات بارزة شكلت حقبة هامة في التاريخ المصري .
حديث السيد / ايرلان إدريسوف . بشكل موسع عن العلاقات التاريخية بين مصر وكازاخستان ، وكذلك عن استمرار أو استعادة العلاقات بعد استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفيتي في 16 ديسمبر 1991 ، حيث كانت مصر من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال كازاخستان ، عكس حديثه اهتمامم كازاخستان بإقامة علاقات متينة وقوية مع مصر في كافة المجالات ، وخاصة أنه توجد علاقات ثقافية وعلمية متواصلة ، كما يوجد تنسيق سياسي واسع سواء في الأمم المتحدة ومنظماتها ولجانها الفرعية ، أو في منظمة التعاون الإسلامي ، حيث يدعم كلا البلدين الآخر في مواقفه ومشاريعه التي يقدمها ، والتي كان من بينها تصويت مصر لصالح كازاخستان عند تقدمها بطلب استضافة معرض " اكسبو 2017 " ، ولكن يبقي التعاون الاقتصادي وتحقيق المصالح المشتركة في هذا المجال من أجل توطيد العلاقات بين الشعبين هو التحدي الأكبر للبلدين .
جمعني لقاء آخر مع السيدة / نبيلة سلامة . سفيرة جمهورية مصر العربية في كازاخستان ، بمقر أقامتها في العاصمة أسطانا ، وقد عبرت السفيرة عن النموذج المشرف للدبلوماسية المصرية في الخارج ، فقد كان لقائي بها مصادفة في أحد قاعات المؤتمر قبل أن نتوجه إلي مقر إقامتها القريب من السفارة المصرية ، حيث وجدت بداخلها شعلة من النشاط والاهتمام بعقد لقاءات مع مختلف الشخصيات المشاركة في المنتدي ، وإجراء مناقشات وحوارات حول مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية .
تحدثت السفيرة نبيلة سلامة عن آفاق ومستقبل العلاقات مع كازاخستان بصفة خاصة ودول آسيا الوسطي بصفة عامة ، وأهمية تلك العلاقات علي المستويين السياسي والاقتصادي ، وخاصة أن ما يجمع بين البلدين من علاقات تاريخية ، ورغبة بين القيادات والشعبين في البلدين في مد جسور التواصل والتعاون من أهم العوامل الداعمة لتمنية العلاقات بين مصر وكازاخستان ، وأن كازاخستان لديها امكانات اقتصادية كبيرة ، وكذلك لديها أعداد سياحية كبيرة تتوجه إلي خارج البلاد ، وأن توجهها إلي مصر يعتبر دعما كبيراً للسياحة المصرية في الفترة المقبلة .
العلاقات الثقافية والعلمية بين كازاخستان هامة جدا باعتبارها من أهم عوامل وأساليب الدبلوماسية الناعمة ، فجامعة مبارك نور في أكبر مدن كازاخستان وعاصمتها القديمة " ألماآتي " ، هي أيضاً جسراً هاماً من جسورا التواصل والتعاون بين مصر وكازاخستان ، حيث يدرس بالجامعة أكثر سبعمائة طالب ، ويقوم بالتدريس في الجامعة عدد كبير من الأساتذة المصريين يزيد عددهم عن 60 % من عدد الأساتذة بها ، ويتكلف صندوق كومنولث الدول المستقلة بوزارة الخارجية ، والأزهر الشريف ، بنفقات الجامعة التي تخضع للإدارة المصرية .
وإذا كان حجم التبادل التجاري بين مصر وكازاخستان لا يتناسب مع عمق العلاقات التاريخية القوية بين البلدين ، وذلك يرجع لأسباب التكلفة الكبيرة لعملية النقل ، حيث أن كازاخستان من الدول الحبيسة التي تطل علي أي من البحار أو المحيطات المفتوحة ، وذلك ما يزيد من تكلفة النقل الجوي والبري ، فإن هناك العديد من السبل التي يمكن من خلالها زيادة حجم التعاون الاقتصادي بين البلدين ، سواء من خلال زيادة حجم الاستثمارات المتبادلة في كلا البلدين ، أو من خلال الوفود السياحية ، وخاصة أن هناك أعداد كبيرة من السياح في كازاخستان تتوجه إلي خارج البلاد كل عام ، ولكن يتطلب ذلك عملية ترويج سياحي من قبل مصر داخل كازاخستان ، وتنظيم رحلات طيران مباشرة بين البلدين .
لدي كازاخستان علي مختلف المستويات الرسمية والشعبية إرادة كبيرة في التقارب والتعاون مع مصر في مختلف المجالات ، وقد كان للقيادة في كازاخستان مبادرة في مجال ترميم الآثار المملوكية في مصر ، وذلك عندما تم توقيع بروتوكول تعاون من أجل ترميم مسجد الظاهر بيبرس بالقاهرة ، وقد قامت كازاخستان بدفع مبلغ أربعة ملايين دولار للقيام بهذا العمل كما نص علي ذلك الاتفاق ، وتم البدء في عملية الترميم ، ولكن العمل توقف دون معرفة الأسباب ، الأمر الذي أوقف كافة مشاريع التعاون في هذا المجال .
التعاون بين أي بلدين يتطلب إرادة صادقة ، وتخطيط ناجح للاستفادة من ذلك التعاون ، والعمل المشترك لحل كافة المشكلات والعقبات التي تعترض عملية التواصل والتعاون بين البلدين ، وإذا كان بين الشعبين علاقات تاريخية قوية ، فإن ذلك يمهد لعملية بناء راسخ لتحقيق المصالح المشتركة لشعبي البلدين كما في علاقات مصر وكازاخستان ، وخاصة أن البلدين يتمتعان بموقع جغرافي وعلاقات اقليمية يستفيد منها الطرف الآخر ، فمصر بمحيطها العربي والأفريقي ، وكازاخستان بمحيطها في آسيا الوسطي ، والاتحاد الأوراسي " يضم كازاخستان وروسيا وبلاروسيا ، ومرشح الانضمام له دول أخري مثل أرمينيا وقيرغيزستان " وهاتان المنطقتان تمثلان سوقاً رائدة يمكن لمصر الاستفادة منها لتحقيق انفتاح علي منطقة حيوية وهامة من العالم .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com


التعليقات