الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

هل من مبادرة للسلطنة تعيد للأمة وحدتها المفقودة ؟


هل من مبادرة للسلطنة تعيد للأمة وحدتها المفقودة ؟
بقلم : أحمد عبده طرابيك

تعتبر سلطة عمان من أكثر دول المنطقة اعتدالا وتسامحاً ، الأمر الذي جعل شعبها يعيش في سلام ووئام اجتماعي ، فقد عمل السلطان قابوس بن سعيد ، سلطان البلاد ، منذ توليه مقاليد الحكم في السلطنة إلي تحديث بلاده وتطويرها ، من خلال الارتقاء بكافة المؤسسات ، وتطوير منظومة التعليم باعتبارها الركيزة الأساسية لأي تحديث وتقدم في المجتمع ، كما اهتم بتوفير مناخ واسع للحرية والتعبير ، فقد صدرت في البلاد أول صحيفة عمانية بعد عام واحد من توليه الحكم ، لذلك تتميز سلطنة عمان بأنها أكثر الدول ليبرالية وحرية وانفتاحاً عن سائر دول الخليج الأخري ، مع احتفاظ شعب عمان بتقاليده ومورثه الثقافي والحضاري المميز ، والتمسك بعاداته وتقاليده وأعرافه الأصيلة ، وساعدت المبادئ التي يقوم عليها المذهب الإباضي الذي يعتنقه أغلبية سكان السلطنة ، وإنصافه لجميع المواطنين علي اختلاف مذاهبهم ، السنية والشيعة ، علي التسامح المذهبي ، والتعايش بين كافة الطوائف .
لعبت سلطنة عمان خلال السنوات الأخيرة دورا مهما لحفظ التوازن فى منطقة الخليج ، وتوفير قناة للحوار بين دول الخليج العربية وجارتها الكبرى غير العربية إيران وكان للدبلوماسية العمانية دور حيوى فى استمرار الحوار المباشر وغير المباشر بين مصر وإيران خلال فترة انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ عام 1979 وحتى استئناف هذه العلاقات فى 26 مارس 1991 ، وساهمت السلطنة بنجاح فى العمل على إطلاق سراح البحارة والصيادين المصريين الذين كانت إيران قد احتجزتهم خلال سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية ، كما ساهمت كذلك بنجاح فى العمل على إطلاق سراح الأسرى المصريين الذين احتجزتهم إيران خلال الحرب مع العراق ( 1980 - 1988 ) ، ولا تقتصر الوساطة الدبلوماسية العمانية على المشاكل العالقة بين الدول العربية وإيران ، وإنما ساعدت كذلك على توفير قناة مهمة للحوار وتبادل الرسائل وحل الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران ، مستفيدة فى ذلك من ثقة الطرفين فى جدية وإخلاص السياسة الخارجية العمانية البعيدة كل المحاور أو التحالفات الضيقة فى المنطقة واستطاعت سلطنة عمان بفضل مجموعة العلاقات الدبلوماسية التى إقامتها مع الدول الكبرى أن تحتفظ لنفسها بهامش للمناورة ومساحة للحركة .
تميزت السياسة الخارجية لسلطنة عمان بقيادة السلطان قابوس بن سعيد بالهدوء والحيادية والعمل بعيداً عن الانفعالات على المستوى الدولي ، مما وفر لها المناخ الملائم للبناء والتطوير على المستوى الداخلي وقد نجحت في ذلك بالفعل ، حيث ابتعدت السلطنة عن الاستفزازات السياسية والصراعات والتكتلات ، كما تحتفظ بعلاقات صداقة مع معظم دول العالم مما أهلها لتكون دولة ذات ثقل سياسي كبير على المستوى الدولي ، وقد انعكس ذلك على دورها ومكانتها الاقليمية والدولية ، الأمر الذي أكسبها قدراً كبيراً من المصداقية ، فقد انتهجت عمان منذ عام 1970 سياسة خارجية معتدلة ، وتوسعت علاقاتها الدبلوماسية بشكل كبير ، لذلك فهي من بين الدول العربية القليلة جدا التي حافظت على علاقات ودية مع الجار الإيراني ، الأمر الذي أهلها للعب دور حيوي في المحادثات الأمريكية - الإيرانية التي أدت إلى إبرام الاتفاق بين إيران والدول الغربية المعروفة بمجموعة 5 + 1 بشأن البرنامج النووي الإيراني ، حيث قدمت عمان تسهيلات لتضييق الهوة بين إيران والولايات المتحدة ، والتقى مسئولين من طهران وواشنطن في عمان ثم أعقبها زيارة وزير الخارجية الأمريكي ، واكتسبت المحادثات حالة من الزخم بعد وصول الرئيس ، حسن روحاني ، إلي رأس السلطة التنفيذية في إيران ، ولم تصدر عن سلطنة عمان أي بيانات حول نجاحها في دعم هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه في جنيف .
كانت رغبة سلطنة عمان كبيرة بلعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لوضع حد ونهاية لثلاثين عاماً من القطيعة بين الدولتين وانعكاس ذلك علي أمن واستقرار المنطفة ، علي أن يبقى هذا الأمر سرا حتى لا يثير حقد وكراهية أعداء السلام ، وقد كانت عمان جديرة بتلك الوساطة لنجاحها قبل ذلك في تحرير الرهائن الأمريكيين الثلاثة المعتقلين في إيران على خلفية اتهامهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة .
لقد أصاب الشلل والوهن مختلف أركان العالم العربي ، وأصبح الخلاف والتناحر السمة السائدة بين معظم الدول العربية ، لدرجة وصلت إلي سحب كل من المملكة العربية السعودية ، والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين سفراءها من قطر ، وهو ما لم يحدث في تاريخ العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي من قبل التي تتصف علاقاتها بالتقارب المحافظ ، حيث تتشابه البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين شعوب ودول المجلس .
يعيش العراق حالة من التمزق والتناحر الطائفي منذ الاحتلال الأمريكي وحتي الآن ، الأمر الذي أدي مؤخراً إلي سيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش " علي مدينة الموصل ثاني كبري المدن العراقية ، وعلي العديد من المدن العراقية الأخري ، وأصبحت كل الاحتمالات واردة في هذا البلد الذي كان يعد أحد ركائز القوة في العالم العربي . وما يعيشه الجار السوري بأفضل حالاً مما هو حاصل في العراق ، حيث حالة الاقتتال الدائرة منذ أكثر من ثلاث سنوات ، والتي عصفت بكل مقومات الدولة السورية ، وأصبحت سورية مسرحاً للصراع بين كافة الفصائل والطوائف والعديد من الدول التي تشن حروباً بالنيابة علي الأرض السورية .
يضاف إلي كل ذلك ما أصاب دول ما تعرف بالربيع العربي من حالة الضعف والوهن والهشاشة التي أصابت مؤسسات ودعائم الدولة ، وخاصة ليبيا التي تشهد حالة من السيولة البعيدة عن هيبة الدولة ومؤسساتها ، وانتشار السلاح بصورة مخيفة ، وعدم سيطرة الدولة علي الحدود المترامية ، وأصبحت البلاد علي حافة هاوية الحرب الأهلية ، وما تعيشه مصر وتونس واليمن من انقسام رغم أنهم يعتبروا أفضل حالاً مقارنة بما تشهده العراق وسورية وليبيا ، ولكن في كل الأحوال فإنه يظل انتقاصاً من الوحدة والقوة العربية بابتعادهم عن التأثير في مجريات الأحداث العربية والإقليمية .
هذا الحديث عن الدول العربية التي تشهد حالة من عدم الاستقرار ، لم يتضمن الجروح العربية الغائرة ، التي اخرجتها من عداد الدول بمفهومها المعاصر كالصومال التي بات يضرب بها المثل في إنعدام السلطة المركزية ، وانهيار انظمة الدولة بشكل تام .
لقد أصبح حال الأمة العربية في وضع مؤلم للعدو قبل الصديق ، ففي الوقت الذي كانت الشعوب العربية تناضل وتكافح من أجل نصرة قضيتها الوطنية المصيرية - القضية الفلسطينية - والتصدي للهيمنة والغطرسة الإسرائيلية التي باتت تلتهم الأرض العربية الفلسطينية بوتيرة متزايدة ومتسارعة ببناء المزيد من المستوطنات والتضييق علي أصحاب الأرض في حياتهم اليومية ، وانتهاك الحقوق وتدنيس المقدسات ، أصبحت الشعوب العربية في حاجة إلي من ينصرها ، للخروج من كبوتها التي تعيش فيها أمتنا العربية من خليجها إلي محيطها .
تحظي سلطنة عمان بمكانة متميزة وعلاقات طيبة مع جميع الدول العربية ، لالتزامها بالحياد ووقوفها علي مسافة واحدة من جميع الأطراف ، والالتزام بعدم التدخل في شئون أية دولة ، واحترام إرادة الشعوب في اختيار من يحكمها ، كما تتميز باتباع سياسة متوازنة حكمية مع جميع الدول ، ليس العربية وحسب ، بل ومع الدول الاقليمية والقوي الكبري المؤثرة في أحداث المنطقة ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتركيا وروسيا بالإضافة إلي الاتحاد الأوروبي ، كل هذه المواصفات التي تتميز بها سلطنة عمان تجعلها قادرة ، بل ومطالبة بأن يكون لها دور السبق في طرح " مبادرة لم الشمل العربي " مرة أخري ، وفك الاشتباك الحاصل بين بعض الدول العربية وبعضها البعض ، وإنهاء الحالة المتردية المؤسفة التي وصلت إليها الأمة العربية .
لقد حققت سلطنة عمان بما هو أكثر من ذلك بوساطتها وإذابتها لجبال الجليد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ، بعدما أوشكت العلاقات بينهما علي الدخول في حرب ، كانت ستكون بمثابة حرباً عالمية ثالثة ، ولكن حكمة قائد سلطنة عمان ، ودبلوماسية بلاده الهادئة المتوازنة استطاعت أن تحول ذلك العداء إلي حوار وتفاهم يوشك علي تحقيق تعاون مثمر ، لذلك فمهمة تصفية الخلافات العربية ، وإنهاء الصراعات وحالة الاحتقان الطائفي والمذهبي والقومي بين الدول العربية هو مهمة وإن كانت غير يسيرة ، لكنها ليست مستحيلة علي دبلوماسية حققت الكثير من الإنجازات ، حتي لا تنزلق الأمة العربية إلي مستنقع أعمق ومظلم عما هي فيه الآن ، فالأمة العربية تستحق غير كل ذلك ، لما لها من تاريخ وحضارة وتقاليد وقيم إنسانية عريقة ، ووهب الله تعالي شعوبها عقيدة إسلامية ترتكز علي نشر المحبة والتسامح والخير لكافة الشعوب والأمم .


كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com



التعليقات